ناقل الاخبار
04-18-2008, 05:50 PM
*الحباب بن المنذر* - فقام الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري الخزرجي السلمي، ويكنى أبا عمر وكان يقال له ذو الرأي. فقال: (يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم ولن يجتري مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز والثروة، وأولو العدة والمنعة والتجربة، ذوو البأس والنجدة وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد رأيكم، وينتقض عليكم أمركم أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير). ورد عمر بن الخطاب على الحباب فقال: (هيهات لا يجتمع اثنان في قَرَن(1) واللّه لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمرهم فيهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم(2) أو متورط في هلكة). فقام الحباب بن المنذر فقال: (يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا علكم ما سألتموه فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم واللّه أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين، أنا جُذَيلها(3) المحكَّك وعُذَيقُها المرَجَّب، أما واللّه لو شئتم لنعيدنَّها جَذَعة). لقد لج الحباب في الخصومة، واستعمل في خطبته ألفاظا شديدة وحرض الأنصار على إجلاء المهاجرين من المدينة إذا لم يولوهم الخلافة وتوعدهم بالشر لذلك قال له عمر محتدا، إذن يقتلك اللّه. قال: بل إياك يقتلك. قال أبو عبيدة:)يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من غير وبدل). وعندئذ قام بشير بن سعد بن ثعلبة بن الجلاس الخزرجي الأنصاري، ويكنى أبا النعمان فقال: (يا معشر الأنصار إنا واللّه كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلا رضا ربنا، وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا. فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ألا إن محمدا صلى اللّه عليه وسلم من قريش وقومه به أحق وأولى، وايم اللّه لا يراني اللّه أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا اللّه ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم). فأراد أبو بكر بحكمته أن يضع حدا لهذا الخلاف خشية استحكامه فرشح للخلافة اثنين من المهاجرين قائلا: (هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا). فقالا: (لا واللّه لا نتولى هذا الأمر عليك، فإنك أفضل المهاجرين وثاني إثنين إذ هما في الغار وخليفة رسول اللّه على الصلاة والصلاة أفضل دين المسلمين فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك، أو يتولى هذا الأمر عليك أبسط يدك نبايعك). فلما ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فهو على ذلك أول من بايع أبا بكر الصديق. ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض وفيهم أُسَيد بن حُضَير (الذي كان رئيس الأوس يوم بُعَاث ومن أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وكان أحد المشهود لهم بالعقل وأحد النقباء): واللّه لئن وَلِيْتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً فقاموا إليه فبايعوه، فأنكر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعواه له من أمرهم. ولم يلق الرأي الذي قاله الأنصار (منا أمير ومنكم أمير) قبولا حتى سعد نفسه فإنه لما سمع به قال: (هذا أول الوهن) لأن انقسام القوة موهن لها،و كذا رفضه عمر حيث قال: (هيهات لا يجتمع اثنان في قرن) وأسرع عمر في مبايعة أبي بكر علما منه بمكانته واعترافا بفضله. أقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب، وأقبلت أسلم بجماعاتها حتى تضايقت بهم السكك فبايعوا فكان عمر يقول: (ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر) وكاد الناس من شدة الزحام يطأون سعد بن عبادة الذي كان يومئذ مريضا ولا يستطيع النهوض، وحدثت بينه وبين عمر مشادة، وأخيرا حمل سعد وأدخل في داره وترك أياما ثم بعث إليه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك فقال: (أما واللّه حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل، وأخضب سنان رمحي وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، فلا أفعل. وايم اللّه لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي). هذا ما أجاب به سعد من دعوه إلى مبايعة أبي بكر بعد أن علم أن البيعة قد تمت ولكن ماذا يفيد امتناعه عن البيعة، وليس له أنصار ولا أغلبية لقد طمع في الخلافة، وظن أن قومه سيقاومون ويتمسكون به إلى آخر رمق من حياتهم. إنه توعد وهدد بمفرده لذلك لم يكترث به أحد فتركوه وشأنه. فلما علم أبو بكر بما قال سعد؛ قال له عمر: لا تدعه حتى يبايع. فقال له بشير بن سعد: إنه قد لج وأبى، وليس بمبايعتكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده، وأهل بيته، وطائفة من عشيرته، فاتركوه فليس تركه بضاركم إنما هو رجل واحد. فتركوه عملا برأي بشير. ------------------------ (1) القرن: الجبل، ولا يقال للجبل قرن حتى يقرن فيه بعيران. (2) متجانف لإثم: أي مائل متعمد. (3) الجذل: أصل الشجرة، وعود ينصب لتحتك به الجربى من الإبل فتستشفى به، والعذق: النخلة بحملها وقول الحباب: "أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب" مثل يضرب لمن يستشفى برأيه ويعتمد عليه، أي قد جربتني الأمور ولي رأي وعلم يستشفى بهما كما تستشفى هذه الإبل بهذه الجذل. وصغره على جهة المدح وصغر الغذق على جهة المدح أو التعظيم. والترجيب: أن تدعم الشجرة إذا كثر حملها لئلا تتكسر أغصانها. وقيل ترجيبها هو أن يوضع الشوك حوالي الأعذاق لئلا يصل إليها فلا تسرق. وقد أراد بالترجيب التعظيم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *تخلف علي رضي اللّه عنه عن البيعة* - قال الزهري: (بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة رضي اللّه عنها فبايعوه(1)) وكانت فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه مما أفاء اللّه عليه بالمدينة وفَدَكَ(2) وما بقي من خمس خيبر فأبى أبو بكر أن يدفع إليها شيئا؛ لأن رسول اللّه قال: (لا نُوْرَثُ ما تركناه صدقة) فوجدت فاطمة على أبي بكر الصديق في ذلك ولم تكلمه حتى توفيت. وقد كان علي رضي اللّه عنه يرى أنه أحق بالخلافة من أبي بكر لقرابته من رسول اللّه، لذلك فقد تخلف عن البيعة(3) مع أن رسول اللّه لما مرض وتعذر عليه الخروج إلى الصلاة. قال مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت له عائشة: يا رسول اللّه إن أبا بكر رجل رقيق إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فعاودته مثل مقولتها. فقال: إنكن صواحبات يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس. وفي تقديمه أبا بكر إلى الصلاة إشارة إلى أنه الخليفة بعده قال الزبير: لا أغمد سيفا حتى يبايع علي. فقال عمر: خذوا سيفه واضربوا به الحجر. ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة. وقيل لما سمع علي ببيعة أبي بكر خرج في قميصه ما عليه إزار، ولا رداء عجلا حتى يبايعه ثم استدعى إزاره ورداءه فتجللّه. قال ابن الأثير: والصحيح أن أمير المؤمنين ما بايع إلا بعد ستة أشهر. وممن تخلف عن بيعة أبي بكر عتبة بن أبي لهب، وخالد بن سعيد والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب وأبي بن كعب ومالوا مع علي، وتخلف أيضا أبو سفيان من بني أمية. ------------------------ (1) أصح الأقوال أن فاطمة توفيت بعد رسول اللّه بستة أشهر. (2) قرية بخيبر. (3) وفي أسد الغابة رواية عن يحيى بن عروة المرادي؛ قال سمعت علياً رضي اللّه عنه يقول قُبض النبي صلى اللّه عليه وسلم وأنا أرى أني أحق بهذا الأمر. فاجتمع المسلمون على أبي بكر فسمعت وأطعت. ثم إن أبا بكر أصيب فظننت أنه لا يعدلها عني. فجعلها في عمر فسمعت وأطعت. ثم إن عمر أصيب فظننت أنه لا يعدلها عني فجعلها في ستة أنا أحدهم فولوها عثمان فسمعت وأطعت. ثم إن عثمان قتل فجاءوا فبايعوني طائعين غير مكرهين. الخ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *أفضل الناس بعد رسول اللّه* - أفضل الناس بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (أبو بكر) رضي اللّه عنه. وقالت الشيعة وكثير من المعتزلة هو (عليّ) وهؤلاء جوزوا إمامة المفضول مع وجود الفاضل. وحجتهم أن قيام علي بالجهاد كان أكثر من قيام أبي بكر فوجب أن يكون علي أفضل منه لقوله تعالى: {وَفَضَّلَ اللّه المُجَاهِدِينَ عَلَىَ الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً}. وأجاب أهل السنة عنه بأن الجهاد على قسمين: جهاد بالدعوة إلى الدين وجهاد بالسيف. ومعلوم أن أبا بكر رضي اللّه عنه جاهد في الدين في أول الإسلام بدعوة الناس إلى الإسلام. وبدعوته أسلم عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وأبو عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنهم أجمعين. وعلي رضي اللّه عنه إنما جاهد بالسيف عند قوة الإسلام، فكان الأول أولى، وحجة القائلين بفضل أبي بكر رضي اللّه عنه قوله صلى اللّه عليه وسلم: (ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر(1)). ------------------------ (1) راجع كتاب معالم أصول الدين لفخر الدين محمد بن عمر الرازي - الباب العاشر في الإمامة - المسألة السابعة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *تجهيز رسول اللّه ودفنه* - بعد أن بويع أبو بكر جهز رسول اللّه ودفن ليلة الأربعاء وقد غسّل في قميصه وغسّله العباس، والفضل وقُثَم ابنا العباس، وأسامة بن زيد، وشقران مولى رسول اللّه، وحضرهم أوس بن خَوْلى الأنصاري من بئر يقال لها الغَرس لسعد بن خثيمة بقباء، وكان العباس وابناه يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء، وعلي يغسله وعليه قميصه، وهو يقول (بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيّاً وميتاً). وكفن في ثلاثة أثواب يمانية(1) بيض من كرسف (قطن) ليس في كفنه قميص ولا عمامة ولا عروة. وبعد أن غسل رسول اللّه وكفن، وضع على سرير وأدخل عليه المسلمون أفواجا يقومون ويصلون عليه، ثم يخرجون ويدخل آخرون ولم يؤمهم في الصلاة عليه إمام حتى إذا فرغت الرجال دخلت النساء ثم دخل الصبيان. وكان أول من دخل أبو بكر وعمر. فقالا: (السلام عليك أيها النبي.. ورحمة اللّه وبركاته) ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار قدر ما يسع البيت، فسلموا كما سلم أبو بكر، وعمر، وصفوا صفوفا لا يؤمهم عليه أحد فقال أبو بكر وعمر وهما في الصف الأول حيال رسول اللّه: (اللّهم إنا نشهد أن قد بَلّغ ما أنزل عليه ونصح لأمته، وجاهد في سبيل اللّه حتى أعز اللّه دينه، وتمت كلماته فآمن به وحده لا شريك له. فاجعلنا يا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتى يعرفنا ونعرفه، فإنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما. لا نبتغي بالإيمان بديلا، ولا نشتري به ثمنا أبدا). فيقول الناس آمين آمين، ثم يخرجون ويدخل غيرهم. ولما فرغوا نادى عمر حلوا الجنازة وأهلها. ولما اختلفوا في موضع دفنه قال أبو بكر: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (ما مات نبي قط إلا يدفن حيث تقبض روحه) قال علي: وأنا أيضا سمعته، فرفع فراشه ودفن. ولما أرادوا أن يحفروا لرسول اللّه كان بالمدينة رجلان أبو عبيدة بن الجراح يضرح لأهل مكة، وكان أبو طلحة الأنصاري هو الذي يلحد لأهل المدينة. فجاء أبو طلحة وألحد لرسول اللّه، وجعل في قبره قطيفة حمراء كان يلبسها فبسطت تحته، وكانت الأرض ندية، ورش قبره صلى اللّه عليه وسلم بلال بتربة بدا من قبل رأسه وجعل عليه من حصباء العرصة(2) حمرا وبيضا، ورفع قبره عن الأرض قدر شبر، ونزل قبره علي، والفضل وقثم ابنا العباس، وشقران، وأوس بن خولى الأنصاري. ------------------------ (1) وقيل: في ثلاثة أثواب سَحولية. وسحول - مثل رسول - بلدة باليمن يجلب منها الثياب. (2) عرصة الدار: ساحتها وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء والجمع عراص وعرصات. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *خطبة أبي بكر بعد البيعة* - بعد أن تمت بيعة أبي بكر بيعة عامة، صعد المنبر وقال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه: (أيها الناس قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء اللّه تعالى، لا يدع أحد منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم اللّه بالذل، أطيعوني ما أطعت اللّه ورسوله فإذا عصيت اللّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم اللّه(1)). فيا لها من كلمات جامعة حوت الصراحة والعدل، مع التواضع والفضل، والحث على الجهاد لنصرة الدين وإعلاء شأن المسلمين. ------------------------ (1) الجزء الثاني من تاريخ الكامل لابن الأثير. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *إرسال جيش أسامة بن زيد(1).* - يوم الأربعاء 14 ربيع الأول سنة 11هـ (11 حزيران - يونيه 6م) كان رسول اللّه قد استعمل أسامة بن زيد، وأمره بالتوجه إلى حدود الشام للأخذ بثأر من قتل في غزوة مؤتة، وقد كان رسول اللّه قد ضرب البعث على أهل المدينة ومَن حولها، وفيهم عمر بن الخطاب وعسكر جيش أسامة بالجُرْف(2) فاشتكى رسول اللّه ثم وجد من نفسه راحة فخرج رسول اللّه عاصبا رأسه فقال: (أيها الناس أنفذوا جيش أسامة) ثلاث مرات. وقال: (إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبله، وايم اللّه إنه كان خليقا للإمارة، وايم اللّه إنه لمن أحب الناس إلي من بعده). وذلك لأن الناس طعنوا في إمارة أسامة، لأنه كان شابا لم يتم العشرين من عمره. توفي رسول اللّه ولم يسر الجيش، وارتد كثير من العرب ونجم النفاق، واشرأبت أعناق اليهود والنصارى وبققي المسلمون لا يدرون ماذا يصنعون لوفاة نبيهم، وقلة عددهم، وكثرة عدوهم. فقال الناس لأبي بكر: إن جيش أسامة جند المسلمين، والعرب قد انتقضت بك فلا ينبغي أن تفرق عنك جماعة المسلمين. فماذا يصنع أبو بكر؟ إنهم يعترضون على إمارة أسامة لصغر سنه، ويعترضون على إرسال جيش المسلمين لارتداد العرب، وقلة عدد المسلمين، وخزفهم على مركزهم بالمدينة. غير أن رسول اللّه كان يشدد في إرسال جيش أسامة، وقد أخذ أبو بكر عهدا على نفسه بأن لا يعصي اللّه ورسوله. فهل يخالف أمر رسول اللّه؟ كلا، فإن ذلك ليس من طبيعته ولا من خلقه، وإنما خلقه الثبات إلى آخر لحظة وتنفيذ أوامر رسول اللّه بكل دقة في كل كبيرة وصغيرة مهما كلفه ذلك لقوة إيمانه، وثبات يقينه وعملا بواجب الصداقة. لهذا كانت إجابته للمعترضين في غاية القوة حيث قال: (و الذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته). وقال لعمر لما أرسله أسامة يستأذنه في الرجوع وطلب إليه الأنصار إن أبى أن يولي عليه من هو أقدم سنا من أسامة: (لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أرد قضاء قضى به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم). فقال عمر: إن الأنصار أمروني أن أبلغك وأنهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامة. فوثب أبو بكر وكان جالسا يأخذ بلحية عمر فقال له: (ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب، استعمله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتأمرني أن أنزِعَه). فخرج عمر إلى الناس بعد أم سمع ورأى من أبي بكر ما رأى. فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم، ما لقيت في سببكم من خليفة رسول اللّه. وإجابة أبي بكر بهذه القوة تذكرنا بما قاله رسول اللّه لعمه أبي طالب حين ظن أنه قد خذله وضعف عن نصرته: (يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك دونه فيه ما تركته). خرج أبو بكر حتى أتى الجيش وأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب وعبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر فقال له أسامة: يا خليفة رسول اللّه، واللّه لتركبن أو لأنزلن. فقال (و اللّه لا تنزل وواللّه لا أركب وما علي أن أغبر قدمي في سبيل اللّه ساعة. فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له وسبعمائة درجة ترفع له وترفع عنه سبعمائة خطيئة) حتى إذا انتهى قال إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل، ومعنى ذلك أنه يستأذن أسامة - قائد الجيش - أن يترك له عمر لأنه كان في الجيش فأذن له(3) وكان إرسال الجيش بعد بيعة أبي بكر بيوم أعني يوم الأربعاء 14 من ربيع الأول. ------------------------ (1) هو أسامة بن زيد بن حارثة، أمه أم أيمن وكان أسود أفطس. أردفه رسول اللّه خلفه يوم الفتح على راحلته القصواء واستعمله وهو ابن ثماني عشرة سنة. رُوي له عن رسول اللّه 128 حديثاً وروى عنه ابن عباس وجماعة من كبار التابعين وكانت وفاته بالمدينة وقيل بوادري القرى وحُمل إلى المدينة سنة 54 هـ. (2) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام. انظر خريطة مكة والمدينة من (كتاب محمد رسول اللّه) للمؤلف. (3) ودع أبو بكر أسامة من الجرف ورجع. والجرف موضع قريب من المدينة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *وصية أبي بكر الجيش* - أوصى أبو بكر جيش أسامة فقال: (يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً أو شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نحلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له. وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها شيئا فاذكروا اسم اللّه عليها. وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم بالسيف خفقاً. اندفعوا باسم اللّه). وقال لأسامة (إصنع ما أمرك به نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم. ابدأ ببلاد قضاعة ثم ائت آبِلَ(1) ولا تقصرن من شئ من أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا تعجلن لما خلفت عن عهده). فسار أسامة وأوقع بقبائل من قضاعة التي ارتدت وغنم وعاد وكانت غيبته أربعين يوما سوى مقامه ومنقلبه راجعا من غير أن يفقد أحدا من رجاله. وكان إنفاذ جيش أسامة أعظم الأمور نفعا للمسلمين؛ فإن العرب قالوا لو لم يكن بالمسلمين قوة لما أرسلوا هذا الجيش فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه. ولم نعثر في المراجع التاريخية عن عدد جيش أسامة ولا على قوة جيش العدو وخسائره، ولم نعلم ما هي الغنائم التي غنمها المسلمون. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *إمارة باذان على اليمن(1) في عهد رسول اللّه.* - باذان رجل من الفرس بعثه كسرى أبرويز إلى اليمن نائبا عليها فبقي إلى بعثة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو آخر من قدم من اليمن من ولاة العجم. ولما كاتب النبي كسرى بما كاتبه مزق كسرى الكتاب وبعث إلى باذان أن أرسل إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين وكتب مهما إلى النبي يأمره بالمسير معهما إلى كسرى فقال لهم رسول اللّه: إرجعا وقولا لباذان أسلم فإن أسلم أؤمره على ما تحت يده وأملكه على قومه. فأتيا إلى باذان وكان كسرى قد مات. فقال باذان: إني لأراه نبيا ولننظرن فإن كان ما قال حقا فهو فإنه لنبي مرسل، وإن لم يكن فنرى فيه رأينا. فلم يلبث أن قدم عليه كتاب شيرويه بن كسرى بقتل كسرى ويأمره بأخذ الطاعة له باليمن، فأسلم باذان وأسلم معه جماعة منة العجم وبعث بذلك سنة 10 هجرية. فجمع له النبي عمل اليمن وأمره على جميع مخاليفه فلم يزل عاملا عليها حتى مات. فلما مات باذان فرق رسول اللّه أمراءه في اليمن بالكيفية الآتية: - 1 - عمرو بن حزم على نجران. - 2 - خالد بن سعيد بن العاص على ما بين نجران وزبيد. - 3 - عامر بن شهر الهمذاني على همدان. - 4 - شهر بن باذان على صنعاء. - 5 - الطاهر بن أبي هالة على عَكّ والأشعريين. - 6 - أبو موسى الأشعري على مأرب. - 7 - يعلى بن أمية على الجند. - 8 - زياد بن لبيد الأنصاري على أعمال حَضْرَمَوْت. - 9 - عكاشة بن ثور على السَّكاسِك والسكون. - 10 - عبد اللّه بن قيس أبو موسى الأشعري على بني معاوية بن كندة. وكان معاذ بن جبل معلما يتنقل في عمالة كل عامل باليمن وحضرموت. ------------------------ (1) صحة اسمه: باذان بالنون لا باذام كما ذكر خطأ بتاريخ الطبري الجزء الثالث صفحة 213 و214 المطبوع بالمطبعة الحسينية المصرية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *ظهور المتنبئين في بلاد العرب* - ادعى النبوّة بعض العرب في الجهات النائية عن المدينة ومكة مثل اليمامة واليمن توصلا إلى الملك والرياسة والتغلب على القبائل المجاورة لهم، فمنهم من حاول محاكاة القرآن تغريرا بعقول السذج من العرب فجاء كلامه سخيفا مضحكا لا معنى له، ومنهم من لم يقتصر على ذلك بل أتى بالأعاجيب، وما هي إلا شعبذة وكهانة وكحر مبين، لكنهم افتضحوا وظهر كذبهم ونفاقهم.و عدا ذلك فإنهم أحلوا المحرمات وارتكبوا الفواحش فكان مصيرهم الخذلان والفشل. وقد خضعت جميع هذه القبائل إلى الإسلام بفضل حزم أبي بكر الصديق ومحاربته أهل الردة كما سيأتي ذكر ذلك مفصلا. والآن نبدأ بأخبار الأسود العنسي الكذاب: الأسود العَنْسي النبي الكذاب - الأسود العنسي يلقب بذي الخمار لأنه كان معتمّاً متخمراً دائماً(1) واسمه عيهلة بن كعب بن عوف العنسي، وعنس بطن من مَذْحِج(2) وكان كاهناً مشعبذاً يري قومه الأعاجيب ويجلبهم بحلاوة منطقة. ادعى النبوة حين مرض النبي واتبعه مذحج عامة وكانت ردته أول ردة في الإسلام على عهد رسول اللّه. وقد سمى نفسه رحمن اليمن أي أنه يتكلم باسم الرحمن، كما سمى مسيلمة رحمن اليمامة. ويقال كان له شيطان يخبره بكل شيء. فغزا نجران وكان عليها عمرو بن حزم وخالد بن سعيد فأخرجهما ومعه 700 فارس إلى صنعاء وعليها شهر بن باذان فخرج إليه شهر فقتله الأسود. كان قواده قيس بن عبد يغوث المرادي ومعاوية بن قيس الجنبي ويزيد بن محرم ويزيد بن حصين الحارثي ويزيد بن الأفكل الأزدي. استولى الأسود على صنعاء وغلب على حضرموت إلى أعمال الطائف إلى البحرين والأحساء إلى عدن، وقد استولى على جنوب غربي بلاد الرب في أقل من شهر وأسند أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث وأسند أمر الأبناء(3) إلى فيروز وداذويه فلما أثخنا في الأرض استخف بقيس وبفيروز الديلمي وداذويه. خاف من بحضرموت من المسلمين أن يحاربهم الأسود أو يظهر كذاب آخر مثله فأتى من باليمن كتاب من رسول اللّه يأمرهم بقتال الأسود فقام معاذ يتنقل في القبائل فقويت نفوس المسلمين.و كان الذي قدم بكتاب النبي صلى اللّه عليه وسلم وَبَر بن يُحَنّس الأزدي. ------------------------ (1) متخمراً لابساً الخمار، الخمار ثوب تُغطي به المرأة رأسها. (2) البطن دون القبيلة. (3) الأبناء هم من أولاد الفرس الذين سيرهم كسرى أنوشروان مع سيف بن ذي يزن إلى اليمن لقتال الحبشة فأقاموا باليمن.